cairo30

7 مراحل مرت بها صناعة «كسوة الكعبة» في مصر: بدأت بتفـ ـرغ أهالي قرى «القليوبية» لحيـ ـاكة القماش

اعتدنا أن نرى مراسم تغيير كسوة بيت الله الحـ ـرام مطلع كل موسم حج، وهي كسوة تثقـ ـل ميزانية المملكة السعودية بنحو 22 مليون ريال سنويًا.

حسب تصريحات مسؤولين رسميين في المملكة. وقد يقول البعض إنها «بدعة»، ولكن الروايات التاريخية تشير إلى أن الكعبة كانت تلبس أبهى الثياب أيام الجـ ـاهلية.

وفي صدر الإسلام، وزمن الخلفاء، وفي دولتي الأمويين والعباسيين . والمثبت عن النبي محمد، حسب رواية الأزرقي عن خالد بن المهاجر في كتب الترمذي وابن ماجه.

أن الرسول خطب الناس يوم عاشوراء وقال: «هذا يوم عاشوراء يوم تنقضي فيه السنة وتستر فيه الكعبة».

وروي عن أبي حبيب أن «البيت كسي في الجاهلية الأنطاع، ثم كساه النبي الثياب اليمنية، ثم كساه عمر وعثمان القباطي من بيت المال، ثم كساه الحجاج الديباج.

وفي زمن معاوية بن أبي سفيان كانت تكسى كسوتين: واحدة يوم عاشوراء من الديباج (ثوب من الحرير الخالص)، وأخرى في آخر شهر رمضان من القباطي. والقباطي ثوب من ثياب مصر، يمتاز بالرقة والبياض، وصناعته منسوبة إلى القبط.

ونرصد في هذا التقرير 7 مراحل لتطور صناعة كسوة الكعبة وتجهيزها في مصر منذ أيام الخليفة عمر الفاروق وحتى قيام المملكة السعودية الثالثة على يد الملك عبد العزيز.

7. حياكة كسوة الكعبة في مصر

الثابت في معظم الروايات أن كسوة الكعبة منذ خلافة الفاروق عمر بن الخطاب وحتى عهد غير بعيد كانت تحاك وتجهّز في مصر. ويقول الأزرقي في تاريخه عن كسوة الكعبة، حسب ما جاء في كتاب «تاريخ الكعبة المعظمة: عمارتها وكسوتها وسدانتها» لحسين عبد الله باسلامة.

إنه رأى كسوة من القباطي قادمة من مصر مكتوبًا في أركانها بخط رقيق أسود «مما أمر به أمير المؤمنين المأمون سنة ستة ومائتين».

ويقول أيضًا إنه رأى كسوة قباطي مصر في خلافة الرشيد مكتوبًا عليها «بسم الله بركة من الله للخليفة الرشيد عبد الله هارون أمير المؤمنين أكرمه الله مما أمر به الفضل بن الربيع أن يعمل من طراز تونة سنة تسعين ومائة».

6. وقوف لتجهيز الكسوة في القليوبية

إذا كان الفاروق عمر أول من أمر بتجهيز الكسوة في القاهرة، فإن السلطان الصالح إسماعيل بن الناصر بن قلاوون يعد أول من قنن هذا الأمر، ويقول الحافظ بن حجر إن السلطان وقف عليها 3 قرى من نواحي القاهرة يقال لها «بيسوس، وسندبيس، وأبي الغيط»، وتقع في القليوبية، عام 743 هجرية، وكان السلطان القلاووني اشتراهم من بيت المال، ثم وقفهم على صناعة وتجهيز الكسوة.

وكان الوقف يجهّز كسوة بيت الله في كل سنة، ويجهّز أيضًا كسوة الحجرة النبوية والمنبر النبوي مرة كل 5 سنوات. ولم يكس الكعبة أحد من الملوك بعد ذلك إلا أخو السلطان الصالح وهو الملك الناصر حسن بن قلاوون.

ولم تكن كسوته لظاهر الكعبة وإنما لباطنها، ويقال إن تلك الكسوة محفوظة في جوف الكعبة حتى الآن، وكانت خلاصتها من الحرير الأسود وفيها جامات مزركشة بالذهب، ويقال إنه أرسلها إلى الحجاز عام 761 هجرية. وبجانب سلاطين قلاوون، كان الملك الظاهر بيبرس البندقداري أول من كسى الكعبة في مصر، وذلك عام 661 هجرية.

وتشير بعض الروايات إلى أن قرى القليوبية الثلاثة الموقوفة على تجهيز الكعبة ضعف ريعها وقلت ميزانيتها في عن الوفاء بمصاريف الكسوة في وقت لاحق، فأمر السلطان العثماني سليمان بن سليم خان بأن يكمل العجز من الخزائن السلطانية في مصر.

وتقرر أيضًا إضافة قرى أخرى هي: «سلكه، سرو بجنجة، قريش الحجر، منايل وكوم رحان، بجام، منية النصارى، وبطاليا»، كي تساند في تجهيز الكسوة كل عام.

5. تجهيز الكسوة في عهد محمد علي باشا

ظلت القرى العشرة تجهّز كسوة بيت الله الحرام منذ زمان سلاطين الدولة القلاوونية حتى وقفها الوالي محمد علي باشا، مؤسس مصر الحديثة، في أوائل القرن الـ13 الهجري، وتعهدت حكومته بصنع الكسوة. وجاء في كتاب «أخبار مكة» للأزرقي أنه «لما دخل الإمام سعود الكبير بن عبد العزيز آل سعود إلى الحجاز.

انقطعت مصر عن إرسال الكسوة الخارجية، فكساها الإمام سعود عام 1221 هجرية من القز (الحرير) الأحمر، وكسى بابها من الحرير الأحمر المطرز بالذهب والفضة، وظل هذا حتى استطرد العثمانيون الحجاز، فعادت مصر إلى إرسال الكسوة الخارجية كما سبق».

ويقول البتنوني في كتاب «الرحلات الحجازية»: «لما استولت الدولة العثمانية على مصر اختصت بكسوة الحجرة الشريفة النبوية، وكسوة البيت الداخلية.

واختصت مصر بكسوة الكعبة الخارجية، وصارت الكسوة ترسل من القاهرة سنويًا»، ويقال في وصفها إنها كانت «8 ستائر من الحرير الأسود المكتوب بالنسيج في كل مكان منه (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، وطول الستارة الواحدة نحو 15 مترًا، ومتوسط عرضها 5 أمتار وبعض سنتيمترات.

وكل ستارتين تعلق على جهة من جهات الكعبة فتربطان من أعلاها في حلقات من الحديد غاية في المتانة قد تثبتت في سقف الكعبة، ثم تربطان إلى بعضها، وتثبتان من أسفل في حلقات وضعت في الشاذروان (جزء من حجر أساس الكعبة).

وهكذا كلما وضعت ستارة تثبتت في التي بجوارها حتى إذا انتهت كلها صارت كالقميص المربع الأسود، ثم يوضع على محيط الكعبة فوق هذه الستائر فيما دون ثلثها الأعلى حزام من المخيش المذهب، مكتوب فيها بالخط العربي آيات قرآنية، كتبها مع غيرها من أعمال الكسوة الخطاط المصري المشهور عبد الله بك زهدي».

ويقول الباحث نبيل السيد الطوخي في كتابه «طوائف الحرف في القاهرة»: «كانت الكسوة تصنع في وكالة عبد الخالق المويلحي، سر تجار القاهرة في عهد محمد علي. وفي النصف الثاني من القرن الـ19 جرى تشغيلها بمعرفة السيد موسى العقاد».

4. ميزانية تجهيز الكسوة في عهد محمد علي باشا

ذكر البنتوني، حسب ما جاء في كتاب «تاريخ الكعبة المعظمة: عمارتها وكسوتها وسدانتها»، مصاريف الكسوة في عهد الوالي محمد علي باشا، وكانت تصرف حينها من وزارة المالية، وتقدر ميزانيتها سنويًا بحوالي 4550 جنيهًا مصريًا، وبيانها كالتالي:

جنيه البيـــــــــــــــــــــــــــــان
515 ثمن مخيش وملبس بالذهب (14935) مثقالًا و(3805) مثقالًا فضة بيضاء. 1664 أجرة عمال الزركشة وعددهم 47 نفرًا. 1111 ثمن حرير، وأجرة نسيج، والذين يشتغلون فيها عددهم 70 نفرًا. 200 ثمن أدوات للتشغيل مثل البفتة وخلافها. 150 مصاريف ليلة المهرجان المعتاد عمله للاحتفال بمركب الكسوة السنوي. 60 عوائد تصرف للشغالة يوم نهاية عمل الكسوة. 850 ماهيات مستخدمين ومرتبات خدمة إدارة الكسوة. 4550 الجملة
وجاء في كتاب «مرآة الحرمين» أن مصاريف الكسوة عام 1318 هجرية بلغت 4143 جنيهًا، بينما انخفضت ميزانيتها عام 1325 هجرية إلى 4084 جنيهًا، كما زادت إبان الحرب العالمية الأولى وبعدها حتى بلغت في سنة 1340 هجرية (10322) جنيه، لارتفاع الأسعار وزيادة أجور العمال بشكل كبير.ويقول البنتوني: «كان يتبع الكسوة الشريفة ستارة باب الكعبة من خارجها ويسمونها (البرقع).

وستارة باب التوبة من داخلها، وهو باب الدرجة المصعدة إلى سطح الكعبة، وكيس مفتاح بيت الله الحرام، وكسوة مقام الخليل إبراهيم، وستارة منبر الحرم الشريف وهي من الأطلس المصنوع بالمخيش الذهبي والفضي»، وكل ما تقدم داخل في التقدير البياني المرسوم أعلاه.

3. مراسم تسليم الكسوة

كانت الكسوة وتوابعها تسلم إلى الشيبي، سادن الكعبة، بعد أن تصل مكة بموجب إشهاد شرعي يحضره العلماء والكبراء، حسب شهادة إبراهيم رفعت باشا في كتابه «مرآة الحرمين»، ويحفظها الشيبي في بيته القريب من الصفا، فإذا كان صباح يوم النحر والحجاج في مني ألبسها الكعبة.

وتثبت عليها بواسطة حلقات من النحاس الأصفر في دائرة الكعبة العلوي. أما الكسوة القديمة فيرسل المقصب منها عادة إلى الشريف، أمير مكة، وإذا كان الحج في يوم جمعة أرسلت إلى جلالة السلطان، بينما يأخذ الشيخ الشيبي غير المقصب ويبيعه للحجاج.

2. خلافات حول الكسوة في زمن الحرب الأولى

جاءت كسوة الكعبة المعظمة من القاهرة حسب العادة في نهاية العام 1332 هجرية، وهو العام الذي شهد اندلاع الحرب الأولى، ولما انضمت الدولة العثمانية إلى دول المحور في الحرب ضد الإنجليز وحلفائها، كلّف السلطان العثماني القصر بعمل كسوة للكعبة ظنًا منه أن حكومة الإنجليز ستمنع نظيرتها المصرية من إرسال الكسوة المعتادة إلى مكة بناء على إعلان الحماية.

وبالفعل جهّز العثمانيون كسوة الكعبة في ذلك العام بإتقان وجودة عاليين، كما أرسلوها في السكة الحديدية برًا من الأستانة إلى المدينة المنورة، غير أن الحكومة المصرية لم تُمنع من إرسال كسوتها إلى مكة، فأمر الشريف بن الحسين بإخراج كسوة القاهرة، بينما ظلت الكسوة القادمة من الأستانة في المدينة المنورة حتى عام 1341 هجرية.

استمرت الحكومة المصرية في إرسال الكسوة إلى الحجاز حتى عام 1340 هجرية، عندما وقع خلاف بينها وبين الشريف الحسين، ملك الحجاز، عام 1341 هجرية، وتعود جذور ذلك الخلاف إلى أنه لما وصل المحمل المصري في باخرة خاصة إلى جدة ومعه الكسوة، وحرس المحمل.

وبعثة طبية، منع الشريف دخول البعثة الطبية إلى مكة، فوقع الخلاف ورجع المحمل كاملًا إلى القاهرة. وفي تلك السنة أبرق الشريف الحسين إلى أمير المدينة المنورة وأمره بإرسال كسوة الأستانة، القادمة منذ 9 أعوام هجرية، إلى ثغر رابغ ومنه إلى جدة ثم إلى بيت الله في مكة، وكسيت عندئذ بتلك الكسوة.

احتاط الشريف الحسين للأمر، وكلّف بعمل كسوة في العراق تحسبًا لامتناع القاهرة، غير أن الحكومة المصرية تجاوزت الخلاف، وأرسلت الكسوة في العام التالي.

وبقيت كسوة العراق محفوظة. ولما وقع صراع على الحكم بين الشريف الحسين والملك عبد العزيز آل سعود عام 1343 هجرية، والذي انتهى بانتصار الأخير وقيام مملكة آل سعود، امتنعت مصر عن إرسال الكسوة، فكساها الملك عبد العزيز بكسوة العراق المحفوظة.

وبوصول الملك عبد العزيز إلى العرش، امتنعت الحكومة المصرية عن إرسال الكسوة بشكل نهائي لخلافات سياسية مع المملكة الثالثة، اللهم إلا مرة واحدة في العام 1344 هجرية، وهو العام الذي وقعت فيه حادثة المحمل في مني، والتي كادت تقضي على حجاج بيت الله بمقذوفات حرس المحمل.

1. إنشاء أول معمل لكسوة الكعبة في مكة

لما امتنعت القاهرة نهائيًا عن إرسال الكسوة، أمر الملك عبد العزيز آل سعود وزير ماليته، الشيخ عبد الله السليمان، في محرم 1346، بإنشاء دار خاصة لعمل الكسوة، وتم إنشاؤها في حارة «أجياد» على مساحة 1500 متر مربع، وجلب الملك لتلك الدار أمهر العمال.

وجلب أيضًا المواد اللازمة لصناعة الكسوة من الهند، وأمر النائب العام للملك، الأمير فيصل بن عبد العزيز، بإسناد إدارة المعمل الجديد إلى الشيخ عبد الرحمن مظهر، المترجم في وزارة الخارجية في ذلك الوقت.

وتعاون 60 عاملًا في تجهيز أول كسوة محلية الصنع، وكان أن سلموها في شهر ذي القعدة على الشكل الذي كانت تصنع عليه في مصر، وكان مكتوبًا عليها «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، وفي الأسفل «يا الله»، وفي الضلعين الأيمن والأيسر من علٍ «جل جلاله».

المصدر مصراوي

مقالات ذات صلة

error: Content is protected !!
إغلاق