cairo30

قصة «حافظ للقـ ـرآن» احتقـ ـرف التمثيل: ابن شيخ أزهري وبطـ ـل في الملاكقـ ـمة وزملكاوي مُتعـ ـصب ألهمته «آية» اسم ابنه وخـ ـاف من الحصان فضـ ـاعت منه بطولة «الناصر صلاح الدين»

ولد محمد شكري الحسيني سرحان، يوم 12 مارس 1925، في قرية الغار، مركز الزقازيق، محافظة الشرقية، والتحق بمدرسة فؤاد الأول الثانوية بالعباسية.

ورسـ ـب مرتين وتم فصـ ـله، لكن ناظر مدرسة الإبراهيمية الثانوية بجاردن سيتي وافق على قيده بالمدرسة لتفوقه في رياضة المـ ـلاكمة.

كما أنه يحفظ القرآن عن ظهر قلب، ولا تفوته صلاة، فهو من أسرة متوسطة متدينة ووالده رجل دين أزهري.

وبمناسبة ذكرى ميلاد شكري سرحان، والتي سبق وأشرنا إليها، بجانب ذكرى وفا ته التي تأتي في نفس الشهر، يوم 19 مارس.

نستعرض أسرار حياة فتى الشاشة، أو ابن النيل كما يحب أن يلقبونه، أو الفتى الذهبي كما أسمته الصحافة، وذلك على حلقات متتالية، سرد بعضها الكاتب محمود معروف في كتابه «روائع النجوم».

كان والده الشيخ الحسيني سرحان قد حصل على الثانوية الأزهرية، والتحق بكلية أصول الدين، وعمل مدرسا للغة العربية والدين، وتزوج من إحدى بنات مدينة فاقوس بالشرقية

اسمها بهية محمد عثمان، وأنجب منها سبكري، هم بالترتيب: صلاح، شكري، عطيات، صفية، سامي، إنصاف، وشوقية، ثم عين الوالد بمدرسة الورديان بالإسكندرية، وانتقل بعدها إلى إحدى مدارس السيدة زينب بالقاهرة، فاستأجر شقة بشارع «الكرماني» المتفرع من شارع المبتديان، أمام مؤسسة دار الهلال.

بالقرب من المنزل، كانت توجد سينما الهلال الصيفي، وهي سينما بدون سقف، فكان الطفل شكري سرحان وشقيقه صلاح يصعدان فوق أسطح العمارات المجاورة لمشاهدة الأفلام بالمجان.

خاصة أفلام الإثارة والأكشن، التي يتفوق فيها البطل، وهذا ما جعله يعشق رياضة الملاكمة ويمارسها في نادي تلال زينهم وينتقل إلى نادي السكة الحديد

ثم إلى نادي طلعت حرب، وبسبب حصوله على بطولة القاهرة، حصل على منحة مجانية منحها وزير المعارف العمومية آنذاك محمد بك العشماوي، لكل من يحصل على بطولة المحافظة في الرياضة أو التمثيل أو الفنون التشكيلية والرسم.

عشق شكري التمثيل، وأراد وشقيقه صلاح الالتحاق بمعهد التمثيل بعد فشلهما في الحصول على مجموع يؤهلهما دخول الكليات الكبرى، لكن والدهما الشيخ الأزهري رفض.

وغضب عليهما وحرمهما من المصروف، فبكي الصبيان وتوسلت الأم والشقيقات عطيات وصفية وإنصاف، إلى الأب الذي رضخ في النهاية، لا سيما أن معهد التمثيل قد افتتح حديثا، بعد أن أنشأه الفنان زكي طليمات، وسيكونان ضمن تلاميذ الدفعة الأولى عام 1944.

كانت الدفعة الأولى تضم إلى جانب الشقيقين صلاح وشكري سرحان كلا من فريد شوقي، عمر الحريري، صلاح منصور، نعيمة وصفي، حمدي غيث، صلاح لطفي، محمد السبع، لطفي نور الدين، عبدالرحيم الزرقاني، ونبيل الألفي، ولحقت بهم في العام التالي الدفعة الثانية.

وتضم كلا من فاتن حمامة، سميحة أيوب، سناء جميل، ملك الجمل، زهرة العلا، كريمة مختار، برلنتي عبدالحميد، عبدالمنعم إبراهيم، عبدالمنعم مدبولي، علي الزرقاني، عبدالبديع العربي، عدلي كاسب، أحمد الجزيري، توفيق الدقن، وإبراهيم الشامي.

عام 1947، حضر إلى القاهرة منتج لبناني اسمه جورج منصور، وتعاقد مع زكي طليمات ليكون مديرا فنيا للأعمال التي يقوم بإنتاجها في مصر، وطلب منه أن يرشح طالبا وطالبة من تلاميذه يتوقع لهما مستقبلا طيبا، ليتعاقد معهما للمشاركة في أعماله القادمة، فرشح له الطالب شكري سرحان.

والطالبة فاتن حمامة، ووقع معهما عقدًا لمدة ثلاث سنوات مقابل عشرة جنيهات شهريًا بخلاف أجرهما في الأفلام، بشرط ألا يتشاركان في أيه أعمال أخرى غير أعماله.

كان أول فيلم من إنتاج المنتج اللبناني جورج منصور بعنوان «الجولة الأخيرة»، واختار بطلا حقيقيا في الملاكمة اسمه بن خليفي، من الجزائر، وأسند إليه دور البطولة، وهي شخصية ملاكم في الفيلم، ورشح فاتن حمامة للقيام بدور البطولة أمامه، ويوم البروفات لم تفهم فاتن ولا كلمة مما يقوله الملاكم الجزائري.

الذي يجمع في لهجته بين الفرنسية والعربية والأمازيغية، كما أنها لم تشعر نحوه بأي انسجام، ورأت أنه من الصعب أن تحبه في الفيلم، فرفضت ورفض والدها أحمد أفندي حمامة أن تمثل الدور، فتعاقدوا مع زميلتها بالمعهد سميحة أيوب.

أما شكري سرحان الذي كان سيقوم بدور الملاكم في الفيلم، فتم استبعاده لأن المنتج اللبناني كان معه شريك جزائري، لكن الصدفة لعبت دورها، حيث كان شكري في دار الأوبرا يشاهد أحد العروض وجلس إلى جواره لحسن حظه الصحفي بمجلة آخر ساعة صلاح ذهني، وتعرفا على بعضهما.

وعرف أن شكري يدرس بمعهد التمثيل وبطل مصر في الملاكمة، ويمارس المصارعة وألعاب القوة وكرة القدم، فدعاه لزيارته بالمجلة ومعه مجموعة من الصور الشخصية، ونشر تحقيقًا بعنوان «فتى أول ينقصه منتج ومخرج».

قرأ المخرج حسين فوزي المقال، واتصل بالمحرر وطلب منه المحرر أن يرسل إليه هذا الشاب الممثل الملاكم الذي يبحث عن مخرج، لأنه يبحث عن وجه جديد ليقوم بدور البطولة أمام الممثلة الجديدة التي اكتشفها واسمها نعيمة عاكف، في فيلم «لهاليبو».

وبالفعل نجح الوجه الجديد شكري سرحان في الفيلم الذي عرض لأول مرة يوم 29 سبتمبر 1949، وكان يعرض معه فيلم «غزل البنات»، وفيلم «عفريته هانم».

كان شكري سرحان عاشقًا للرياضة، ولنادي الزمالك بصفة خاصة، ولا تفوت له مباراة في القاهرة مع زملائه الفنانين الزملكاوية، رشدي أياظة، صلاح ذوالفقار، أحمد مظهر

نور الدمرداش، فريد الأطرش، سيد إسماعيل، نيللي، حسام الدين مصطفى، ونور الشريف، وكان صديقًا حميمًا لنجوم الزمالك، عصام بهيج، نبيل نصير، عبده نصحي، حمادة إمام.

وحسن شحاتة، وشكري هو الذي قاد حملة لجمع التبرعات لعلاج محمد رفاعي ظهير منتخب مصر ونادي الزمالك، للعلاج بالخارج عندما أصيب بكسر مضاعف في العمود الفقري وتعذر علاجه في مصر.

في أول فبراير عام 1963، كان المسلمون يتأهبون للإفطار في يوم من أيام شهر رمضان، وكان صوت الشيخ محمد رفعت ينبعث من أجهزة الراديو في البيوت والمحلات، يتلو آيات من الذكر الحكيم قبل انطلاق مدفع الإفطار.

وفجأة رن جرس التليفون في منزل الفنان شكري سرحان أول شارع قصر النيل من ميدان التحرير، وكان المتصل موظف السنترال بالمستشفى القبطي بشارع رمسيس، يخبره بأن زوجته المحتجزة بالمستشفى أنجبت مولودًا ذكرًا وتريد حضوره ليكون بجانبها ويختاران اسمًا للمولود لقيده في السجلات.

دخل شكري المستشفى القبطي مسرعًا ليرى مولوده الأول الذي كان ينتظره في شوق ولهفة، وبينما هو يدخل من باب المستشفى سمع صوت الشيخ محمد رفعت ينبعث من راديو يحمله أحد العمال.

وكان يتلو الآية التي تقول «يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً (12) وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيّاً (13) وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً (14) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً» صدق الله العظيم.

دخل شكري الحجرة وقبّل زوجته وقبّل مولوده الصغير، وقال لزوجته: «ألف مبروك يا أم يحيى»، ثم دخلت عليهما الدكتورة إيزيس سامي وخلفها موظف السجل المدني، وسألهما عن اسم المولود، فرد شكري بسرعة: «يحيى.. هنسميه يحيى إن شاء الله».

كبر يحيى وتخرج في كلية التجارة وتعرف على فتاة أسترالية اسمها كريستين مليونز، كانت في زيارة للقاهرة وتعرف عليها خلال تجولها في مسجد أحمد بن طولون واتفق معها على الزواج وأشهرت إسلامها واختارت لنفسها اسم كاميليا سرحان.

وأقنعته أن يسافر معها وبالفعل طلب الهجرة وسافر معها وأنجب هناك ابنه كريم، وحتى لا يشعر بالغربة أقنع شقيقه الأصغر صلاح، الذي أسماه شكري سرحان على اسم أخيه الأكبر صلاح سرحان، أن يلحق به في سيدني بأستراليا، وزوجه من فتاة أسترالية، اسمها ليزا، لكنه لم يشعر معها بالارتياح.

ولم يحب العيش بعيدا عن مصر، فطلق زوجته الأسترالية وعاد إلى القاهرة وتزوج من فتاة مصرية واحترف التمثيل، كما أقنع شقيقه الأكبر يحيى بأن يعود إلى مصر، وعاد بعده بشهور واستقر في شقة والده بشارع قصر النيل وافتتح شركة للاستيراد والتصدير.

بعد نجاح فيلم «لهاليبو»، نشرت مجلة «النجم الساطع» تحقيقا مصورا على ثلاث صفحات للممثل الجديد والملاكم شكري سرحان، وكان المخرج يوسف شاهين عائدًا لتوه من دراسة الإخراج السينمائي في أمريكا وفرنسا وإنجلترا، واختارته قريبته الممثلة والمنتجة اللبنانية ماري كويني

ليخرج فيلمها الجديد «ابن النيل»، واختارت لبطولته فاتن حمامة، وتركت للمخرج يوسف شاهين اختيار البطل، فشاهد 36 صورة منشورة في مجلة «النجم الساطع» للممثل الجديد والملاكم شكري سرحان، فقرر أن يكون هو بطل الفيلم بعد أن شاهده في فيلم «لهاليبو» وأقنع ماري كويني بأن هذا الفتى هو الذي سيؤدي دور الفلاح.

أراد شكري أن يتقن اللهجة الصعيدية، فسافر إلى قرية «أهناسيا» ببني سويف، وعاش هناك عشرة أيام لحين تجهيز الديكور وتعلم وأتقن اللهجة الصعيدية ببراعة.

وقال له يوسف شاهين سأعلن لك سرًا لأول مرة، لقد عارض الكثيرون إسناد الدور إليك، وأولهم المنتجة ماري كويني، لكنني صممت اقتناعًا بك، وبصراحة بعد تألقك أرى أنك تستحق جائزة الأوسكار عن هذا الدور.

كان هذا الدور هو نقطة التحول في حياة الفنان شكري سرحان، برغم أنه شارك في العديد من الأفلام، منها: نادية، أفراح، بابا عريس، أنا بنت ناس، ابن الليل، الخارج على القانون، غيرها.

كان شكري يعشق الفن بجنون، ويعشق الرياضة خاصة الملاكمة وكرة القدم والمصارعة، ويحب مشاهدة رياضة الفروسية، من سباقات وقفز حواجز، لكنه أبدًا لا يطيق ركوب الخيل.

يخاف جدًا من الحصان إذا اقترب منه، وبسبب هذا الخوف من الخيول ضاعت منه بطولة فيلم «الناصر صلاح الدين»، فقد رشحه لدور البطولة مكتشفه المخرج يوسف شاهين، بينما رشحت منتجة الفيلم اللبنانية آسيا داغر

رشدي أباظة، وكاد يحدث اختلاف بينهما لكن شكري سرحان حل المشكلة وقال إنهم لو أعطوه مليون جنيه فلن يركب الحصان، فاختاروا رشدي أباظة، لكنه اعتذر هو الآخر لمرض والدته الإيطالية، الذي اضطره للسفر معها عند أخواته للعلاج هناك.

وعلى الفور فكر يوسف شاهين في أن يكون البطل الذي يؤدي دور الناصر صلاح الدين، من الفرسان، وبالفعل وقع الاختيار على الفارس أحمد مظهر، أحد رجال سلاح الفرسان بالقوات المسلحة، وأدى الدور بمنتهى الاتقان.

بلغ عدد الأفلام التي شارك فيها شكري سرحان 151 فيلمًا، أولها «نادية» عام 1948، وكان دورا صغيرا، أما البطولة فكانت فيلم «لهاليبو» عام 1949، وآخر أفلامه «الجبلاوي» الذي عرض يوم 26 أغسطس عام 1991، بسينما «أوبرا»، وقام معه بالبطولة كمال الشناوي وسماح أنور، وعايدة رياض، وهشام سليم.
المصدر مصراوي والمصري اليوم وجولولي

مقالات ذات صلة

error: Content is protected !!
إغلاق